Sunday, May 17, 2015

الوطن والفتة والعيال



إبراهيم موظف مكتب الصحة في المنصورة اللي بيموت في دباديب السيسي وعنده استعداد إنه يضحي بحياته علشانه المفروض أنه بكل موضوعية وإنكار ذات يطلع شهادة ميلاد لطفل أبوه أخوانجي وش وأمه ضاربة تلاتين نقاب فوق بعض، كذلك لما صحفي محترم ينزل مهمة الجرنال مكلفه بيها، المفروض إنه يقلع الذاتية اللي لابسها، ويتجرّد من كونه محمود الأخواني من طنطا وبيعمل إنترڤيو لواحد من اللي نزلوا تلاتين يونيو علشان يطلعوا دين أم الأخوان وبيكرهوهم عمى. ده مش معناه خالص إن إبراهيم لما طلع الشهادة بيساعد الأخوان، ولا إن محمود بيعرّص للإنقلابيين، ده معناه إن كل واحد بيشوف شغله بعيد عن تسييس الحياة والعيشة واللي عايشينها.

قبل ٢٥ يناير كان عندنا مشكلة إن الناس عالقهاوي وفي البيوت مالهاش سيرة غير الكورة، ومافيش حاجة تهمها ولا تحركها غير الكورة، بعد ٢٥ يناير، وبالذات بعد ٣٠ يونيو الناس اتهبلت عالسياسة لدرجة إن حتى العشاير والقبايل والعيلات اتقسمت ما بين أخوانجية وبيحترموهم وانقلابيين وسياساوية، ناهيك طبعاً عن الأوصاف الباقية بتاعة العملا والخونة والطابور الخامس والجواسيس واللي بيقبضوا باليورو والدولار. مش بس كده، ده الناس بقت تحاكم بعض وتتخانق مع بعض وتقاطع بعض علشان فلان ما بيفهمش، وعلان أخوانجي عرص، وترتان ما يتآمنلوش أصله بيتفرج على أحمد موسى وتوفيق عكاشة. 
الناس من حرمانها من السياسة طول السنين اللي فاتت، أول ما شمت ريحتها اتهبلت، وبقت تدخل السياسة في المشاكل الإدارية والقضائية في الدولة، واللي عمل كده على فكرة مش السيسي ولا مرسي ولا الثورة .. اللي عمل ده عقود من تسييس القضاء وتسييس السلطة التنفيذية علاوة على التسييس الطبيعي للسلطة التشريعية ممثلة في مجلسي الشعب والشورى اللي كان مكوّش عليها الوطني.. النتيجة إن الأخوان ابتدوا كجماعة سرية تحت الأرض يشتغلوا على اختراق البنى الأساسية للدولة لمدة طويلة جداً، وما ظهرتش النتايج واضحة جلية إلا بعد ما مسكوا، وافتكروا إن الأوان آن إنهم يطلعوا فوق الأرض ويشغّلوا الخلايا النايمة.. ساعتها شفنا الأخوين مكي، وشفنا التصريحات المريعة بتاعة البقاء للأقوى، شفنا إزاي إن النايب العام كان بيدي تعليمات لرجالته في النيابة ياخدوا مواطنين استجوبتهم عناصر الأخوان، من غير ما يعدوا أساساً على السلطة التنفيذية ممثلة في الداخلية، شفنا إزاي إن محمد مرسي شخصياً كان عايز يختصر الدولة ومؤسساتها في ديوان المظالم، ويسكّت الجيش والشرطة بالمميزات اللي باقية لهم حتى مع اندلاع الثورة، ومع تاريخ المواجهة بين الأخوان والجيش والأخوان والداخلية. حتى إن الدكتور الراحل فريد اسماعيل اللي مات في السجن من كام يوم كان بيطالب بمضاعفة مرتبات الجيش والشرطة أربع أضعاف.. الدولة لما كانت ملك الأخوان كان الأخوان فاتحينها على البحري من سينا للمقطم، والجيش والشرطة حسنتهم محفوظة إلى حين.. دلوقتي لما الدنيا رجعت في حجر الجيش .. الجيش مش الحزب الوطني ورجالته.. كله عايز يقدم فروض الطاعة والولاء بإنه ينتقم من أي حد ضد النظام الحالي، أي حد ضد الجيش، وهنا اللعبكة، فيه ناس تقول لك إن الحزب الوطني هو اللي رجع مش الجيش، وناس تانية تقول لك لأ ده الجيش مستني على رجالة الوطني لحد ما يخلص من الأخوان الأول، وناس تالتة تقول لك ما أصل الجيش والحزب الوطني بينهم علاقات مصاهرة وأعمال وطيدة، ومايقدروش يخلعوا من بعض في يوم وليلة، وهمه الاتنين عبارة عن الثورة المضادة.. 

كله بيفت في الفتة، وتفضل مشكلة إبراهيم ومحمود إنهم أطراف في صراع مش بتاعهم أساساً، والدولة بصرف النظر عن مين اللي قاعد فوق على الكرسي لازم تمشي، ولازم تشتغل، وشهادات الميلاد لازم تطلع، والصحافة والإعلام لازم ينضفوا علشان الناس تقدر تاخد معلومات موثوق منها، وتحدد على أساسهم اختياراتهم وقراراتهم، وده من مصلحة صانع القرار البيج بوس مش ضده، وكل اللي شايف إنه يعمل لمصلحة البلد كل ما يعلي صوته، ويطنطن، ويغني بشرة خير وتسلم الأيادي وينتقم من أي حد مربّي دقنه أو أي واحدة منقّبة بإنه يحط لهم العقدة في المنشار، ده على المدى الطويل مش هيخلي فيه بلد من الأساس.

السياسة كوم، والدولة كوم، والوطن كوم، ومرسي والسيسي ومبارك واللي قبليهم كوم تاني، الوطن حيفضل لعيالنا، إنما كل الشباب الحلوين دول وأنا وحضراتكم رايحين في التراب بكره ولا بعده..علشان كده اللي همّه على عياله يقعد يفكّر مع نفسه: هيطلعوا إزاي بني آدمين وحواليهم كل الكراهية دي.

المرأة والثورة


حينما سادت الثقافة الأمومية (نسبة إلى الأم) آمن الإنسان بأن المرأة هي أصل الكون، ففيها تنبت بذرة الإنسان، وإليها يسكن الرجل، ونحوها تتوق وتشتعل الرغبة، وعنها ينسج الفنان حكاياته وقصائده، لم ترتبط الرغبة والمتعة بالحمل فكان الحمل لغزاً يحمّلها رهبة وغموضاً عجز الإنسان عن سبر أغواره فسجد له.. ولم لا ومن جسدها تولد الحياة، ومن صدرها يأتي الحليب، وتنتظم دورتها الشهرية مع دورة القمر، وعاطفتها المحمومة نحو وليدها هو عاطفة الأرض نحو زرعها. كانت المرأة تجسداً للأرض، وتعبيراً عن ثقافة الزراعة فتحبل بالبذور لتطرح الثمار، فكانت منشأ الأشياء ومردّها.. لذلك كانت عشتار إلهة الجنس والحب والجمال والتضحية عند البابليين، وكانت إنانا عند السومريين، وعشاروت عند الفينيقيين، وأفروديت عند اليونان وڤينوس عند الرومان.


حينما اكتشف الإنسان العلاقة الشرطية بين الجنس والحمل، وبين الجماع والإنجاب لم يعد الجنس هدفاً وسبباً للمتعة فحسب، بل أصبح وسيلة للإنجاب فهبطت المرأة من علياء سموّها وقدسيتها بوصفها مانحة اللذة وواهبة الحياة ومرضعة الإنسان إلى وعاء البذور التي يلقيها الرجل، وبقرة الإرضاع، وبهيمة العشر، وأصبح الرجل هو صاحب البذرة، والمخصب الإلهي المقدس، ولم تعد المرأة سوى أداة لتحقيق اللذة، والإنجاب، والأمومة، وخدمة السيد/الرجل/الرب/الإله صاحب بذرة الحياة فنشأ المجتمع الأبوي/البطريركي الذي كرست جميع أساطيره ومعتقداته ودياناته لسيادة وسيطرة الرجل الذي يجلب الطعام ويصنع السلاح ويحارب الأعداء ويؤسس لمجتمعات الملكية الخاصة والطبقات. 


هنا جاءت النظريات الدينية على اختلافها لتكريس دونية المرأة، فالمرأة أصل الذنب والرجس والدنس، وسبب طرد آدم من الجنة، وبالتالي فهي سبب شقاء الإنسانية، ومندوبة الشيطان على الأرض، والحيض الذي يصيبها إنما هو عقاب إلهي لما اقترفته وسوف تقترفه من ذنوب إلى أبد الآبدين، لذلك فالمرأة ناقصة العقل والدين والحكمة والمعرفة والقدرة الجسدية ومصدر الشر الذي سيظل موجوداً في العالم طالما كانت موجودة، إلا أننا نحتاجها من أجل استمرار النوع، والرجل لابد وأن يحكم وينتصر حتى لا ينتصر الشر ممثلاً في المرأة، كما أن اضطهاد المرأة والسيطرة عليها إنما يأتي مبرراً لضرورة انتصار الخير على الشر، وأفضلية الأبيض على الأسود، وحماية احتكار الرجل للمال والسلطة والدين والفلسفة والجنس والمتعة الجنسية، كما أن ذلك المدخل هو ذات المدخل لدعم الإقطاع والطبقية والاستغلال لتصبح تلك الفلسفة أكثر ملائمة لتبرير العنف والقمع والظلم من قبل الأقوى ضد الأضعف.. عشيرة كانت أو قبيلة أو حكومة أو دولة.


في نفس السياق تكرست فكرة الرجل “السماوي” العلوي/الروحاني الذي يمثل الروح/الإله/الرب والمفاهيم التي نعجز عن رؤيتها مادية متجسّدة إلاّ حين اتحادها بالمادة.. أصبح هذا الرجل يلقي بالمطر على الأرض/المادة التي تتعفن إذا لم تمتلك داخلها روحاً، فينشأ الإنسان في بطن تلك الأرض/المادة/الرحم/المرأة، ليصبح الرجل هو الخير/الأعلى/السماء/السمو/الروحاني/الساعي نحو التبتل، ولتصبح المرأة هي الشر/الأرض/الدنس/الرجس/الشيطان/الساعية دائماً نحو إغواء الرجل الساعي نحو التبتل بمكرها وخبثها كي ينغمس في الشرور والدنس والرجس والذنب والمجون. من هنا جاءت فكرة تأثيم الجنس، وتقنينه، بل وأصبحت المرأة، والجنس وسيلة لسيطرة اقطاعية/اقتصادية/اجتماعية/دينية فأصبح زواج المرأة من شخص مختلف العقيدة يهدد المصالح الاقتصادية، فتعتبر المرأة كافرة/خارجة عن الملة/جالبة للعار، لأن “الوعاء” سوف يحمل عرقاً آخر، وديناً آخر فتزيد قوة الجماعات الأخرى، فالمرأة من هذا المنطلق وعاء إنتاجي لرصيد القوة البشرية التي يجب أن ترعى مصالح الجماعة/العشيرة/القبيلة.


ومن هنا أيضاً نشأ مفهوم الشرف بارتباطه في المعتقد الديني والاجتماعي بفرج المرأة، وجسد المرأة، و”عورة”المرأة التي يجب سترها، وإخفائها عن “الغريب”، وهنا انخفض سقف كلمة “الشرف” ليحمل معانٍ أكثر تفاهة وسذاجة وبساطة من المعنى العميق للكلمة، فلم يعد الكذب إخلالاً بالشرف طالما كان الإنسان محافظاً على شرف/فرج أخته وأصبح النفاق والخداع والسرقة أشياء غير مخلة بالشرف طالما حافظ المرء على شرف/فرج زوجته، وتلخص الشرف الشرقي في فرج المرأة، وتحديد الشرف بالممارسة الجنسية، وفتح الطريق أمام أبوية السلطة، وأبوية الدين، وشارك ويشارك الدين في الحفاظ على السلطة في طبقة الآباء، فتجد الشيخ والقس والحاخام لابد وأن يكونوا إلي جانب القوي والغني والحاكم، لتكريس مفهوم الرضا والقناعة وتبرير قسوة العيش وشظفه وشرح الحكمة العميقة وراء الطبقية ووجود الأغنياء والفقراء، والرجل والمرأة، وليبشروا المؤمنين بجنات تجري من تحتها الأنهار لمن صبروا، ورضوا بالظلم والقهر والقمع. ومن هنا تتأسس القيم والأخلاق المجتمعية التي يحرص الكهنة والحكام على الإبقاء عليها.


لذلك لم يكن من الغريب أن ترتبط الثورات الاشتراكية، والتوجهات التقدمية بحرية المرأة كمكون أساسي من مكونات الثورة، ولم يكن اشتراك المرأة المصرية في ثورة ٢٥ يناير اعتباطاً، وإنما كان نابعاً من عمق إدراك المجتمع المصري لدور المرأة، ودور حرية المرأة، ودور ثورة المرأة على القيم الأبوية البالية، والمجتمع الذكوري الأبوي المهترئ، ولم يكن من قبيل الصدفة أيضاً أن ترتبط انتكاسات الثورة بحالات تحرش جماعي، واغتصاب، ومليونيات قندهار بكل ما تحمله من دفن للمرأة وراء الأحجبة وطمس كينونتها وهويتها والدفاع عن محافظة وتدين المجتمع من منطلق أن مفاهيم الأخلاق والفضيلة والقيم الرفيعة إنما ترتبط ارتباطاً وطيداً بالتخلص من شرور المرأة، والحفاظ على فرجها بصرف النظر عن الإنتاج، والإخلاص، والإصلاح الاقتصادي، والتنمية، والعبور بالمجتمع نحو المستقبل، والحرية، والعيش، والكرامة، والعدالة الاجتماعية.


إن الغش والنصب والاحتيال والاستغلال والقمع والقهر والعنف والظلم والنفاق والكذب والوضاعة الإنسانية، والتحلل الأخلاقي مفاهيم تغرق فيها مجتمعاتنا الذكورية الأبوية التي نتصور في عقلنا الساذج القاصر أنها مجتمعات “شريفة”، بينما هي تغوص في الدنس، والرجس، والتهتك، والابتذال، والمجون، والشرور بعدما اختصرت الشرف في الحجاب والإسدال والنقاب وتلخيص الزنا في الإيلاج بينما المجتمع يمتلئ بالزناة من كل صوب وحدب، يمارسون زنا أخلاقي واجتماعي واقتصادي وسياسي أكثر ضرراً وأبعد تأثيراً عن مجرد علاقة غير مشروعة بين رجل وامرأة.





لن تنجح الثورة إلا حينما ندرك أن الثورة هي المرأة، وأن المرأة هي الثورة..

Wednesday, March 18, 2015

ماذا يريد خودوركوڤسكي؟



تأتي الإشاعات التي أحاطت باختفاء الرئيس ڤلاديمير بوتين نتيجة طبيعية للتصعيد الذي يمارسه ضده الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية مع قليل من التأفف الذي تبديه دول في الاتحاد الأوروبي مثل ألمانيا وفرنسا، فقد حسم الغرب أمره بشأن بوتين، وقرر (من جانب واحد) التخلص من بوتين، كما قرر أن الشعب الروسي ليس من حقه أن يختار رئيساً يدخل بروسيا (من وجهة نظرهم) في أتون الحرب من أجل أمنهم القومي، ومن أجل استقلال الإرادة السياسية الروسية عن السياسات الأوروبية المنسحقة أمام إرادة الناتو بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي لازالت تعيش منذ انهيار الاتحاد السوڤيتي في وهم هيمنة القطب الواحد، وصياغة العالم وفقاً لحلم القرن الأمريكي

لا أتصور عاقلاً ملماً بالحد الأدنى من المعلومات عن السياسة الدولية وقواعد الجغرافيا والتاريخ يتوقّع أن تشاهد روسيا إزاحتها من البحر الأسود، بعد إزاحتها من المتوسط والشرق الأوسط في وقت سابق، باطمئنان وهدوء، وألا تحرّك ساكناً إزاء تمدد الناتو شرقاً نحو أوكرانيا لمسافة تبعد عن وسط العاصمة الروسية ٦٠٠ كيلومتر فقط لاغير. ولا أتصور محللاً إستراتيچياً يظن لوهلة أن بوتين الزعيم القومي ورجل المخابرات السوڤيتية سوف يضحي بشعبيته التي استمدها من قدرته على اتخاذ قرارات جريئة حاسمة، سوف يتطلع إلى الأسطول الأمريكي الذي يتحرك نحو شبه جزيرة القرم بلامبالاة وكأنه أمر لا يعنيه. لكن الفأس قد وقعت في الرأس وشقّته نصفين، ولم تعد أوكرانيا (ولن تعود) كما كانت، وذهبت شبه جزيرة القرم إلى حيث تنتمي تاريخياً، والحديث الدائر اليوم يدور إنما يدور حول وقف حمام الدم، مع الحفاظ على حقوق الأغلبية الروسية في شرق أوكرانيا، وفوق هذا وذاك الممر البري العابر نحو شبه جزيرة القرم الأرض الروسية التي يدخل التنازل عنها تحت بند الخيانة العظمى.

على الجانب الآخر لازال الغرب يؤمن بأن الثورة البرتقالية التي اندلعت منذ عشرة أعوام بزعامة ڤيكتور يوشينكو ثم تجددت في العام الماضي سوف تمتد لتشمل روسيا نفسها بزعامة شخصيات من الماضي جرى تجهيزها وإعدادها لقيادة المشهد الحالي، خاصة بعد إندلاع ثورات الربيع العربي التي لم تصل بالفوضى إلي الحد المطلوب بعد (خاصة بعد ثورة الثلاثين من يونيو، التي غيّرت تاريخ المنطقة والعالم بتداعياتها الجوهرية)، في هذا السياق وبتوسط للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل أُفرج عن ميخائيل خودوركوڤسكي في ٢٠ ديسمبر ٢٠١٣، وفي ذلك اليوم أقلته طائرة روسية من محبسه إلى مطار بطرسبرغ، ومن هناك أقلّته طائرة ألمانية خاصة إلى برلين، ليظهر في متحف جدار برلين ٢٢ ديسمبر، بكل ما يحمله هذا المتحف من تاريخ ومعنى رمزي لسقوط حلف وارسو، ثم في كييڤ، وعواصم أوروبية عديدة مبشّراً بروسيا جديدة، وبجمهورية برلمانية، ومتحدثاً عن قدرة الشعب الروسي على رؤية بديل للنظام الحالي، والرئيس الحالي، ومتبنياً لمبدأ روسيا بلا بوتين، الشعار الذي ترفعه المعارضة الروسية الهزيلة حتى اللحظة.

أثناء المحاضرة الروسية السنوية في المعهد الملكي للشئون الدولية شاتام تسائل ميخائيل خودوركوڤسكي أثناء إلقائه المحاضرة الروسية السنوية للمعهد الملكي للشئون الدولية شاتام في ٢٦ فبراير الماضي حول ما يريده بوتين، وأشار إلى أن بوتينلا يريد الدونباس (شرق أوكرانيا)، بل يريد تحديد مصير العالم في حوار مع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية. إنه يحلم بالحصول على اتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية بشأن نظام العالم الجديد، الذي ينقسم إلى مناطق للتأثير، لا يتدخل كل طرف في مناطق التأثير للطرف الآخر. دون الالتفات بالمرة إلى السياسة الداخلية لكل طرف. طلب خودوركوڤسكي من الغرب أن يستمر في فرض الضغط/الحصار على روسيا، بغرض التخلص من بوتين، متطلعاً إلى روسيا جديدة بلا بوتين. لكن محاضرة خودوركوڤسكي على موقع اليوتيوب، والتي نشرت منذ أسبوعين لم تحظ حتى اليوم بأكثر من خمسين ألف مشاهدة، بينما وصل عدد مشاهدات الفيلم الوثائقي القرم، الطريق إلى الوطن الذي بثه التلفزيون الروسي الرسمي الأحد الماضي (١٥/٣/٢٠١٥) إلى ما يقرب من ٢ مليون مشاهدة، بما يشير إلى حجم تأثير خودوركوڤسكي على الداخل الروسي.

ولكي نحيط بالصورة أكثر فالمعهد الملكي للشئون الدولية شاتام هو مؤسسة غير حكومية في لندن معنية بتحليل وفهم القضايا الدولية الرئيسية الراهنة. ويعد هذا المعهد ثاني أكثر المراكز البحثية تأثيراً في العالم بعد معهد بروكينز في الولايات المتحدة الأمريكية وفقاً لتقرير جامعة بينسيلڤانيا لعام ٢٠١٤ حلو المراكز البحثية العالمية. ويعني المعهد من خلال أبحاثه المستقلة بطرح النقاش حول الشئون الدولية وردود الفعل السياسية بما يدعم صنّاع القرار بالمعلومات والأفكار الجديدة فيما يخص تداعيات القرارات السياسية على المدى القريب والبعيد. يتضمن المعهد إدارات: الطاقة، البيئة والموارد، الاقتصاد الدولي، دراسات ميدانية والقانون الدولي حيث تغطي تلك الإدارات برامج تختص بكل من: أفريقيا، الأمريكيتين، آسيا، أوروبا، الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، روسيا وأوراسيا إلى جانب برامج القانون الدولي. كذلك هناك مركز الأمن الصحي العالمي. ولكي تتضح الصورة أفضل فإن  من حصلوا على لقب شخصية العام لهذا المعهد في السابق: الرئيس الأوكراني ڤيكتور يوشينكو عام ٢٠٠٥ زعيم الثورة البرتقالية، منصف المرزوقي وراشد الغنوشي عام ٢٠١٢ من تونس وهيلاري كلينتون ٢٠١٣.

كذلك جاءت محاضرة المعهد الملكي قبل أيام من مظاهرات مناهضة لبوتين وسياساته توقعت أوساط المعارضة الروسية أن تتخطى حاجز المئة ألف، جاءت المظاهرات بتحريض من مؤسسة روسيا المفتوحة التي يديرها خودوركوڤسكي التي قال عنها أنها مستقبل روسيا ما بعد بوتين”. في اليوم التالي لتلك المحاضرة ٢٧ فبراير اغتيل المعارض الروسي بوريس نيمتسوف الذي صرّح قبل مقتله بساعات أن مظاهرات الأول من مارس يمكن أن تغيّر كثيراً من الوضع السياسي الراهن في روسيا إذا ما تخطت حاجز المئة ألف. جاء مقتل السياسي المعارض صدمة للمجتمع الروسي، ودفع بالكثيرين إلى الشوارع في تلك المظاهرة، لكنها مع ذلك لم تتخط حاجز الخمسين ألف متظاهر، وانتهت دون مصادمات مع قوات الأمن الروسية.

في ظل ذلك، أعتقد أنه من المفيد اليوم أن نعود إلى تاريخ ميخائيل خودوركوڤسكي بغرض التعرف على دوافعه، ودوافع الغرب، والتوصل إلى صورة واقعية لما يحدث على أرض أوكرانيا والعالم الآن من محاولات لإعادة صياغة للواقع السياسي الدولي الجديد:
      
التحق ميخائيل خودوركوڤسكي عام ١٩٨١ بمعهد موسكو للكيمياء والتكنولوچيا المسمى على اسم العالم الروسي منديلييڤ، وأثناء دراسته كان يعمل نجاراً في أحد التعاونيات الخاصة بالبناء حتى يتمكن من تحمل مصاريف معيشته، لكنه كان في الوقت نفسه أكثر الطلبة اجتهاداً، وكان ترتيبه الأول على دفعته طوال سنوات الدراسة. تزوج من زميلته يلينا وأنجبا ابنهما باڤل عام ١٩٨٥، وتخرج من المعهد عام ١٩٨٦ بامتياز مع مرتبة الشرف، ليصبح مهندساً كيميائياً.

في الوقت نفسه، وبعد سنتين من وصول ميخائيل جورباتشوڤ للحكم سكرتيراً عاماً للحزب الشيوعي السوڤييتي، طرح جورباتشوڤ سياسته الشهيرة "البيريسترويكا" (إعادة البناء) في مؤتمر الحزب السابع والعشرين عام ١٩٨٦، والتي فتحت للمرة الأولى في تاريخ الاتحاد السوڤييتي باب تحرير التجارة من خلال سياسات استثمارية، وإعادة هيكلة جديدة. وبناء على ذلك سمح للمؤسسات امتلاك حسابات خاصة بها، بما في ذلك النوادي المتخصصة. وفي نوڤمبر ١٩٨٦ تم التصديق على قانون الاتحاد السوڤييتي بشأن "النشاط  العمالي الخاص"، ثم أصدر مجلس الوزراء السوڤييتي في فبراير ١٩٨٧ "اللائحة الخاصة بإنشاء التعاونيات الخاصة في مجال المنتجات الاستهلاكية"، وفي مايو ١٩٨٨ صدر قانون الاتحاد السوڤييتي في شأن "التعاونيات في الاتحاد السوڤييتي" والذي سمح للتعاونيات بممارسة كافة الأنشطة القانونية بما في ذلك التجارة.

كان ميخائيل خودوركوڤسكي عضواً قيادياً في منظمة "الكومسومول" (اتحاد الشبيبة الشيوعيين)، واستغل اتصالاته بالعديد من زملائه في إنشاء صندوق للمبادرات الشبابية  في إقليم فرونزه والذي سمي "المركز الشبابي للعلوم والتكنولوچيا" برعاية الإدارة الإقليمية للحزب الشيوعي هناك بغرض تطوير الإبداع العلمي والمهني للشباب، وساعدته قيادات الإدارة الإقليمية للحزب في الحصول على مبالغ كبيرة من الميزانية الحكومية لشراء شحنة كبيرة من الحواسب الآلية "آي بي إم" لهيئة الدولة للعلوم والتكنولوچيا وللحكومة.

ثم توالت الصفقات التي عقدها المركز بما في ذلك صفقات خاصة بالسلع الاستهلاكية ومنها الملابس، والمنتجات الكحولية (تقول مصادر أن من بينها صفقة كونياك فاسد) وغيرها، وكانت تلك هي الخطوة الأولى لخودوركوڤسكي في عالم التجارة، ليتحول المركز فيما بعد إلى تسييل الأموال، والحصول على نسب من الجهات الحكومية وغيرها لتحويل العملة الصعبة. وفي التسعينات وصل انتشار ذلك المركز إلى ٦٠٠ فرع في جميع أنحاء الاتحاد السوڤييتي، والتي كانت معنية "نظرياً" بإدخال نظم علمية وتكنولوچية جديدة في الصناعة، ونشر المنشورات العلمية. تابع خودوركوڤسكي دراسته في معهد الاقتصاد القومي المسمى على إسم بليخانوڤ، وحصل على مؤهل في الاقتصاد عام ١٩٨٨. 

أسس خودوركوڤسكي مصرف "ميناتيب" (اتحاد بنوك التنمية العلمية والمهنية) عام ١٩٩٠، وأصبح ذلك المصرف أحد أولى المصارف الروسية التي حصلت على لقب "مصرف حكومي" في الاتحاد السوڤييتي.  وقام المصرف بعمليات العملات الصعبة، وبيع الأسهم واتسعت اتصالات المصرف مع الحكومة ليصبح خودوركوڤسكي أحد مستشاري رئيس الوزراء الروسي إيڤان سيلاييڤ، وحصل آنذاك على الحق في توفير العملة الصعبة لشركة "روسڤوروچينيي" (الشركة الروسية للتسليح) لتصدير السلاح.

ومع انهيار الاتحاد السوڤييتي ووصول بوريس يلتسين لحكم روسيا، اندلعت في البلاد حمى الخصخصة، وكان مصرف "ميناتيب" في مقدمة المصارف التي حصلت على حصص ضخمة في مصانع النسيج، والمواد الغذائية، والبناء، والمواد الصناعية، والفلزات. هوت تلك الخصخصة بالاقتصاد الروسي إلى القاع، كما هوت بالدور الروسي الإقليمي إلى أدنى مستوياته (تجلى ذلك في الحروب اليوغوسلاڤية التي اكتفت فيها روسيا بمشاهدة قوات الناتو تتدخل لحسم النزاع لصالح تقسيم يوغوسلافيا إلى دويلات صغيرة (١٩٩١-١٩٩٩))، لكن الخصخصة في الوقت نفسه ارتفعت بخودوركوڤسكي وحفنة من رجال الأعمال، ممن أصبحوا يسمون اصطلاحاً "الأوليجاركية" الروسية الجديدة.

بوصول ڤلاديمير بوتين إلى الحكم، واندلاع الحرب الثانية في الشيشان عام ١٩٩٩، احتاجت الحكومة الروسية إلى تمويل مستمر، ولم تجد من تلجأ إليه سوى الاقتراض من المصارف الضخمة، التي طالبت في المقابل بحصة تسيطر بها على المؤسسات التي رأت الحكومة في وقت سابق الاحتفاظ بها أثناء حمى الخصخصة، وهي المؤسسات النفطية، والنقل البحري، والمؤسسات الصناعية الضخمة في مجال المعادن والفلزات. كان من ضمن الشروط التي طرحتها المصارف لإقراض الحكومة هي بيع تلك الأصول إذا لم تتمكن الحكومة من السداد في ظرف عام واحد. لم تدفع الحكومة، ووقعت أسهم شركة "يوكوس"، و"نيكل نوريلسك"، سيب نفط"، "سورجوت نفط"، "لوك أويل"، "سيدانكو"، "ميتشيب"، "نفطا موسكو"، "مجمع مصانع الحديد والصلب في نوڤوليبيتسك"، شركة مورمانسك، ونوڤوروسيسك للنقل البحري، وقعت أسهم تلك المؤسسات العملاقة في أيدي رجال الأعمال الذين كان من ضمنهم خودوركوڤسكي، وبينما امتلك مصرف "ميناتيب" ٤٥٪ من أسهم الشركة الحكومية "يوكوس" في عام ١٩٩٥، حصل بعدما تم استبعاد المستثمرين الأجانب وبعض المستثمرين الروس، حصل خودوركوڤسكي وخمسة من زملائه على ٧٨٪ من أسهم الشركة العملاقة.

أدرك خودوركوڤسكي بحكمته ومعرفته وعلمه بخبايا الاقتصاد والسياسة الروسية أن الثروة بلا سلطة لا قيمة لها، وأن تضخم الثروة يمكن أن يغري رياح السياسة بنزع سقف بيت الاقتصاد، لذلك دعم أحزاباً، وتيارات، وحركات كان يرى أنها تدافع عن مصالحه، ومصاح طبقته، وحاول شراء حصة من النواب في مجلس البرلمان الروسي "الدوما"، ولم يكن ذلك بطبيعة الحال يعجب رجل الكريملين القوي ڤلاديمير بوتين، زعيم حزب الأغلبية، والرئيس المنتخب، ثم رئيس الوزراء. وحينما حذر بوتين خودوركوڤسكي من التدخل في السياسة، من خلال رسائل بعضها واضح، وبعضها مستتر، ظهرت على السطح بعض ممارسات التهرب الضريبي التي كانت أجهزة بوتين ترصدها لشركة يوكوس، وتدخرها للمناورة السياسية، ومن بينها شركات اليوم الواحد، وبيع النفط "قبل فوهة البئر" (يتمدد النفط بنسبة ١٠٪ بمجرد تعرضه للهواء، مما يمكن من التلاعب في المستندات الضريبية من خلال تسجيل بيعه قبل فوهة البئر، وهو الأسلوب الذي ابتكرته "يوكوس" وتناقلته فيما بعد شركات أمريكية)

وهكذا قبض على خودوركوڤسكي ٢٥ أكتوبر عام ٢٠٠٣، حيث كان يشغل وقت القبض عليه المركز السادس عشر في أغنى أغنياء العالم بثروة قدرتها مجلة فوربس بـ ١٥ مليار دولار، وحكمت عليه المحكمة عام ٢٠٠٥ بالسجن عشرة أعوام وعشرة أشهر. وتباينت ردود الفعل على حكم خودوركوڤسكي فبينما اعتبرته منظمة العفو الدولية "سجين الضمير"، واعتبرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الحكم بسجنه حكماً سياسياَ.

في ١٢ نوڤمبر ٢٠١٣، وبعد قضائه أكثر من عشر سنوات وراء القضبان،  وبعدما تواترت أنباء عن فتح القضية الثالثة له قبل الإفراج عنه، أرسل خودوركوڤسكي رسالة إلى الرئيس الروسي ڤلاديمير بوتين يطلب فيها العفو نظراً لظروفه العائلية، دون أن يعترف بالجرائم التي حكم عليه بالسجن لارتكابها. وفي ١٩ ديسمبر ٢٠١٣ صرح بوتين في مؤتمره الصحفي السنوي باقتراب موعد العفو عن ميخائيل خودوركوڤسكي استناداً إلي طلبه. في نفس اليوم تم ترحيل خودوركوڤسكي في طائرة من محبسه في جزر كاريلي إلى بطرسبرغ، وتم تسليمه جواز سفر مختوم بخاتم الخروج، وانتظر في الطائرة حتى وصلت طائرة أخرى نقلته خارج روسيا إلى برلين.